صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

44

شرح أصول الكافي

بهاء فهو من رشحات مجده وكماله . وقوله : وتفرد بالتوحيد ، إذ كلّ واحد ومتوحد يفرض دونه ، فللعقل ان يتصور ويجوز له ما يشاركه ويشابه ولو في مجرد الاحتمال الذّهنى كالشمس مثلا ، فإنها وان كانت متفردة في شمسيته منحصرة في واحدة بحسب الخارج ، لكن للعقل ان يتصور عوالم متعدّدة لكلّ منها شمس ، بل له قبل إقامة البرهان ان يتصور افراد كثيرة لها في هذا العالم ولا يتصور لحقيقة الوجود تعدّد . وأيضا كل واحد يقتضي وحدته الانحصار والانفراد عن غيره فيما هو واحد من جهته بخلاف وحدته تعالى التي وسعت كل شيء ، ولا يقابلها الّا النفي المحض ، ولأجل ذلك أنه تعالى تفرد وتوحد في جميع صفاته وحالاته كمال قال : وتفرد بالتوحيد والمجد والثناء وتوحد بالتحميد وتمجد بالتمجيد . ولما ثبت أيضا انه سبحانه كلّ الوجود وجامع الكمالات والخيرات بلا فقد شيء عنه ، لأنه منبع كلّ وجود ومنشأ كلّ موجود ، فهو تعالى كما قال ( ع ) : علا من اتخاذ الأبناء وتطهر وتقدس عن ملامسة النساء عز وجل عن مجاورة الشركاء ، لان الحاجة إلى الأولاد والنساء والشركاء سببها قصور الوجود وقلة الابتهاج بمجرّد الذات وكثرة التوحش عن الانفراد بالوجود المشوب بالاعدام والنقائص ، فيجبر القصور ويزال التوحش بوجود الأمثال والأشباه استيناسا بها وتخلصا عن وحشة الفراق بسببها . واما الذات الإلهية الجامعة لجميع الخيرات والسعادات والابتهاجات : فكلّ الموجودات به مبتهجة مسرورة وإليه مفتقرة ومستفيضة ، بل هو في الحقيقة انس كل مستوحش غريب وبه سرور كلّ محزون كئيب ، إذ كلّ ما يتصوران يأنس به ذو وحشة أو يسرّ به ذو حزن وكآبة ، فهو أيضا لمعة من نور رحمته ورشحة من بحار لطفه ورأفته ، إذ ليس في الوجود الا ذاته وصفاته وآثاره ولذا قال : فليس له فيما خلق ضد ولا له فيما ملك ند ولا يشركه في ملكه أحد . واعلم أن للحق تعالى مقامين : أحدهما ويقال له في عرف الصّوفية مرتبة الأحدية وغيب الغيوب ، وهو عبارة عن الوجود الحق المعرّى عن الخلق المجرد عن جميع الاعتبارات والنسب والإضافات كالالهية والرازقية والخالقية وغيرها فلا اسم له ولا